Monday, March 12, 2012

الأنظمة السياسية - النظام الرئاسي- الجزء الثاني


راجع الجزء الأول عن الأنظمة البرلمانية.

النظام الرئاسي: نظرياً هو نظام يقوم على أساس الاستقلال و الفصل الكبير بين السلطتين التشريعية و التنفيذية، و عدم إمكانية تأثير إحداهما على الأخرى، وهو الشيء الذي يؤدي إلى وجود توازن في القوى بينهما بحكم الاستقلال و ليس بحكم وسائل التأثير المتبادل مثلما هو الحال في النظام البرلماني.

أطراف هذا النظام:

أولاً: الرئيس

ثانياً: الحكومة

ثالثا: البرلمان.

الرئيس:

ينتخبه الشعب بواسطة الاقتراع المباشر، و يكون هو نفسه رئيساً الحكومة (رئيس الوزراء)، و يختار مساعديه (الوزراء)، ولا يوجد عليه قيود خاصة في كيفية اختيارهم

يتولى الرئيس في هذا النظام تحديد سياسة الدولة داخلياً و خارجياً، و يتصرف في كافة هياكل و أجهزة الدولة و مرافقها. وله وحده الحق في عزل الحكومة كلها أو أفراد منها.

لا يملك الحق في المبادرة بالتشريع بطرق مباشرة و رمسية، حتى إن كان يُمارس ذلك بطريق غير مباشر.

ولا يجوز للرئيس في هذا النظام حل البرلمان، ولا دعوته للإنعقاد.

يكون الرئيس على قدم المساواة مع البرلمان لأن كل منهما تم انتخابه من الشعب.

الوزارة:

يخضع كل أفراد الحكومة لرئيس الجمهورية خضوعاً تاماً، و يتبعون السياسة العامة التي يضعها، وليس عليهم أي مسؤولية سياسية أمام البرلمان، لكن مسؤوليتهم تكون أمام الرئيس فقط.

ووضعهم هذا يجعلهم عبارة عن كتاب للدولة، فهم فقط يطبقون توصيات و برنامج الرئيس. و يكون دورهم استشارياً فقط.

ولا يجوز لأي عضو من أعضاء السلطة التنفيذية الوزراء) الجمع بين منصبهم هذا و بين عضوية البرلمان. ولا يجوز لهم دخول البرلمان لشرح سياسة الرئيس أو الدفاع عنها.

كما لا يحق لهم إعداد مشروع الميزانية حيث إنها تكون من اختصاصات البرلمان، ولكنهم يقدمون تقريراً سنوياً يبين الحالة المادية للدولة و مصروفات الحكومة في السنة المنقضية، و احتياجاتها للسنة الجديدة.

البرلمان:

يتم انتخابه من الشعب بواسطة القتراع المباشر.

له كل الصلاحيات التي سبق و ذكرناها في النظام البرلماني، و لكن يُقتطع منه الصلاحيات الآتيه:

لا يجوز له توجيه أسئلة أو استجوابات للوزراء أو الرئيس، ولا يجوز له طرح تصويت حول سحب الثقة من الحكومة.

ولكن يمكن أن يكون الئيس و الوزارة في موضع اتهام و محاكمة امام البرلمان عن الجرائم التي يرتكبونها فقط.

هناك بعض بعض الاستثناءات التي طرأت على النظام الرئاسي بحكم الدستور أو التطورات العملية، مما يُحوِّل النظام الرئاسي إلى خليط من النظام البرلماني و النظام الرئاسي، و أكتب هنا بعض تلك الاستثناءات:

أولا: تستطيع السلطة التنفيذية اقتراح قوانين على السلطة التشريعية دون أن تجيزها.

ثانياً: إعطاء الحق للسلطة التنفيذية بالاعتراض على قوانين معينة تتخذها السلطة التشريعية، لأن حق التوقيع النهائي عادة ما يكون بيد رئيس تلك السلطة التنفيذية

ثالثا: يحق للسلطة التشريعية الإعتراض على قرارات السلطة التنفيذية

رابعاً: البرلمان يجب أن يوافق على المعاهدات الدولية بأغلبية ثلثي أعضاءه

خامساً: قد يُجمع البرلمان بأغلبية على ضرورة عزل عضو في السلطة التنفيذية، أو عزلها كاملة

سادساً: يكون القضاء في حالة استقلال تام، و تقبع على قمته المحكمة الدستورية التي يحق لها الإقرار بعدم دستورية أي قانون أو قرار يصدر من أي سلطة في الدولة.

سابعاً: يكون من حق الرئيس تعيين القضاة و المسؤولين الحكوميين الكبار.

بعد تلك التعديلات و الاستثناءات، لا أرى لزاماً علينا بتخصيص مقال للنظام شبه الرئاسي، لأن تلك لا يخرج عن تلك التعديلات.

Saturday, March 10, 2012

الأنظمة السياسية - النظام البرلماني - الجزء الأول


النظام البرلماني:

هو نظام سياسي يقوم على وجود مجلس مُنتَخَب يستمد سلطته من سلطة الشعب الذي انتخبه، و يقوم هذا النظام على مبدأ الفصل المرن (المُخَفف) بين السلطات، على أساس التوازن و التعاون و المراقبة المتبادلة بين السلطتين التشريعية و التنفيذية.

أطراف هذا النظام:

أولاً: السلطة التشريعية (البرلمان)

ثانياً: السلطة التنفيذية، و تنقسم إلى: رئيس الدولة و الحكومة (مجلس الوزراء).

المسؤوليات السياسية لكل طرف من أطراف هذا النظام.

الرئيس:

يكون دور الرئيس في النظام البرلماني محدوداً بحسب ما يُمنح من سلطات دستورية. و يكون دوره سلبي، و مركزه مركز شرفي، و من ثم ليس له أن يتدخل في شؤون الإدارة الفعلية للبلاد، و يترك الجانب الفعلي من السلطة للحكومة، و لذلك فإن الرئيس هنا يسود ولا يحكم.

فيستقبل رؤساء الدول الأخرى، و السفراء الأجانب- و عليه فلا يقع على عاتقه أي مسؤولية سياسية ولا يجوز إنتقاده، و يُعتبر مُجرد آله للتوقيع، و القرارات لا يتخذها هو إنما الحكومة. و في حال اختلافه مع الحكومة لا يوجد أمامه سوى الخضوع أو الاستقالة.

و رئيس الدولة هو الذي يُعين رئيس الحكومة (رئيس الوزراء).

وبعض الدساتير تمنح رئيس الدولة البرلمانية بعض الحقوق الأخرى مثل تعيين أعضاء في البرلمان أو مجلس الشورى، أو حق حل البرلمان.

الحكومة (الوزارة):

تقوم الوزارة بأساس الوظائف الحكومية، و تختص بالجانب الفعلي للسلطة، وهي عبارة عن جهاز جماعي تتخذ القرارات على نحو مُشترك. و على رأس هذا الجهاز يوجد رئيس الحكومة (الذي يختاره رئيس الدولة)، ثم يختار رئيس الحكومة الوزراء الباقين، و يقدمهم لرئيس الدولة للحصول على موافقة شكلية.

ويختار رئيس الحكومة أعضاء حكومته من حزب الأغلبية إن كان حزبه يحظى بأغلبيه برلمانية، أما إن لم يكن، فيختار حكومة إئتلافية من أحزاب مختلفة في البرلمان.

يكون للسلطة التنفيذية (الحكومة) الحق في اقتراح القوانين و التصديق عليها.

وللوزراء الحق في دخول البرلمان لشرح سياسة الحكومة و الدفاع عنها.

ويكون للوزارة حق دعوة البرلمان للإنعقاد، و فَض دورات انعقاده.

البرلمان:

تكون المسؤولية السياسية للسلطة التشريعية في النظام البرلماني كما هي في كل الأنظمة التي عهدناها، لكن أضف عليها: حق الرقابة على الحكومة و محاسبتها و التصديق على الاتفاقيات التي تعقدها.

بالإضافة للتصويت على سحب الثقة من الحكومة بأكملها أو من فرد (وزير) واحد فيها. و إن تم سحب الثقة من الحكومة، فعليها تقديم استقالتها فوراً.

وإن أجبر البرلمان الحكومة على تقديم الاستقالة، يكون له الحق في المشاركة في تولية الوزارة الجديدة عن طريق نمطين:

الأول: أن يُعيَّن رئيس الحكومة الجديدة، ثم يطلب الثقة من البرلمان، و بعدها يشرع في إختيار وزراءه الحائزين على ثقة البرلمان بتبعية ثقته في رئيسهم.

الثاني: أن يتم تعيين رئيس الحكومة، و يختار وزرائه ثم يذهبون جميعاً إلى البرلمان لطلب الثقة.

و في حال أن البرلمان لم يُقدم على تصويت سحب الثقة من الحكومة، و لكن تم تغييرها، فلا يُشترط الحصول على الثقة من البرلمان.

...

حق حل البرلمان في النظام البرلماني:

من حق الحكومة بمساندة رئيس الدولة حل مجلس الشعب بحسب ما يسمح لهما الدستور، و العمل على الدعوة لإنتخابات جديدة، و يكون حينها الاحتكام للشعب إما أن ينتخب نواباً مؤيدين لسياسات الحكومة، أو مُعارضين لها.

وحتى لا يكون الأمر تابعاً لأهواء الحكومة، تُفرض بعض التضييقات على مسألة حل البرلمان، فتكون هناك مُدة زمنية بين حلين للمجلس.

وحل البرلمان في هذا النظام هو أمر نادر الحدوث، لأنه في مُعظم الأحوال تكون الحكومة من حزب الأغلبية، لذا يكون هناك اتساق و انسجام بين الحكومة و البرلمان.

...

الأزمة العامة التي تواجه تلك المسألة في مصر:

الإنتخابات عُرضة لشتى التدخلات و الضغوط الحكومية، و لذلك كثيراً ما يخفق المعارضون فيها، و يفوز الذين يحظون بدعم حكومي

ولذلك ستُسفر المسألة عن برلمان يعجز عن القيام بدوره الرئيسي من تشريع القوانين و مراقبة أعمال الحكومة أو سحب الثقة منها و حملها على الاستقالة، و ذلك أنها مكونة بإرادة الحكومة أكثر مما هي مكونة بإرادة الناخبين الحرة.

...

كان هذا هو الجزء الأول من سلسلة مقالات الأنظمة السياسية.

المراجع:

المؤسسات السياسية و القانون الدستوري – موريس دوفرجيه

الأنظمة السياسية و الدستورية المقارنة – د/حسان محمد شفيق العاني

الأنظمة السياسية – د/صالح جوَّاد الكاظم، و د/علي غالب العاني

...

مراد حسني

Wednesday, February 29, 2012

صناعة القرار في مصر...الجزء الأول


لا يخفى عن الجميع أن صناعة القرار في مصر (و الوطن العربي) يشوبها خلل ما، و سأحاول في هذا المقال (كجُزء تمهيدي) تبيان شوائب صناعة القرار المصري، و نليه بجُزء آخر نُناقش فيه كيفية صناعة القرار و العوامل المؤثرة علي تلك المسألة.

عملية صنع القرار (نظريَّاً):

تُشير عملية صُنع القرار إلى الاختيار بين مجموعة من البدائل المتاحة في ضوء تقدير المزايا النسبية لكل منها، و مدى ملائمة البديل الذي يتم اختياره للظروف الداخلية و الخارجية.

فتكون مؤسسات الدولة المُختلفة مسؤولة عن تقديم تلك البدائل المتاحة (بحسب تخصص كل منها) و يتم إختيار بديل منها بواسطة السلطة المسؤولة عن إتخاذ القرار (في مُعظم الاحوال تكون تلك السلطة عبارة عن الرئيس).

و تلك هي مشكلات صناعة القرار في مصر:

أولاً: العشوائية.

لعل أصدق ما قيل عن عشوائية صناعة القرار في مصر و الوطن العربي كلمات حيدر إبراهيم علي: "قد يقرأ الشخص بعض الآيات القرآنية أو التعاويذ، ثم ينام، و بعد أن يصحو يُقرر. و في أغلب الأحيان قد يأتيه في النوم هاتف أو يحلم، فيترتب عليه إتخاذ القرار حينها."

وهذا يُعد وصفاً لغياب الرشادة و العقلانية عن عملية إتخاذ القرار، و كون القرارات العربية لا تخضع للدراسة في أُطُر مؤسسية لا يُعتبر أقل فجاجة من الوصف السابق.

على سبيل المثال: بعد التنحي يوم 11 فبراير، قام المجلس العسكري بطرح مجموعة من التعديلات الدستورية، بشكل غير مدروس، و تم تقديم موعد الإستفتاء على تلك التعديلات بشكل مفاجيء، مع العلم أن أي ثورة يتبعها دستور جديد

و مواجهة كل مُشكلة أو صدام يحدث ما بين المواطنين و قوات الأمن المركزي/الشرطة العسكرية ببناء جدار يفصل بين القوات، بلا بحث حقيقي عن حل لهذا الصدام المتكرر

ثانياً: سوء اختيار التوقيت.

نتيجة غياب الرؤية الاستراتيجية عن عملية صنع القرار العربي، فإن تلك القرارات لا تُصادف عادة توقيتاً مناسباً، بمعنى التسرع، أو بمعنى التباطؤ، أو حتى بمعنى السكوت عن مواجهة ظاهرة مستفحلة أو مُشكلة حالة، و هذا في حد ذاته قرار.

على سبيل المثال: بعد تنحي مبارك، ظل متواجداً في شرم الشيخ فترة طويلة، مما أثَّر بشكل سلبي على السياحة في تلك المدينة بشكل فادح، و تأخر حينها قرار بدء محاكمته و نقله من شرم الشيخ.

تأخر صدور قرارات بالتحفظ على أموال العديد من الأفراد الذين شاركوا مُبارك في عمليات نهب أموال المصريين، مما أعطاهم فُرصة لنقلها أو تحويلها بما لا يُمكِّننا من استعادتها مرة أخرى.

تأخر قرار فصل أعضاء النظام القديم عن بعضهم في السجن، أدى إلى تمكنهم من تخطيط و افتعال العديد من الأزمات التي راح ضحيتها مئات المواطنين.

عدم صدور أي قرار بإعادة هيكلة وزارة الداخلية، مما ترك أتباع حبيب العادلي في مواقعهم يصولون و يجولون على حساب دماء المصريين.

ثالثاً: عدم الخضوع للتشاور إلا في الحد الأدنى.

غالبية القرارات لا تخضع للتشاور، و ما يخضع منها يكون في أُطُر غير رسمية، و في مُعظم الأحيان يكون التشاور مع أهل الثقة، و ليس أهل الكفاءة.

رابعاً: عدم الاستجابة للضغوط الشعبية إلى في الحد الأدنى.

قليلة هي تلك القرارات التي تم تعديلها أو العدول عنها استجابة للضغوط الشعبية، منها:

تغيير رئيس الوزراء أحمد شفيق و استبداله بعصام شرف، و لم يتم بعدها الاستجابة لأي مطلب شعبي مهما كان عدد المُطالبين به.

خامساً: عدم المؤسسية.

هي نتيجة لكل ما سبق، فيكون أي قرار صادر من أعلى قيادة في الدولة، و ليس من المتخصصين في المجال الذي يُصنع بخصوصه القرار.

بقاء أي شخص في مركزة القيادي فترات طويلة، يجعله مُصابا بثقة في خبرته بشكل زائد عن المطلوب، فيتخذ القرارات بناء على رؤيته الشخصية للأمور، و ليس بناء على ما يُعبر حقيقة عن الشعب بواسطة مؤسسات الدولة المُختلفة.

فتصنع القيادة القرار، و يكون دور المؤسسات (وزارات و مجلس الشعب) هو محاولة إقناع المواطن برجاحة هذا القرار أو إضفاء نوع من الشرعية له.

سادساً: فقدان المصداقية.

فقدان المصداقية يعود لأسباب كثيرة، و لكن أهمها: التناقض بين الفعل و القول.

وعلى سبيل المثال: الفترة الإنتقالية التي حددها الجيش بنفسه و لنفسه كانت 6 أشهر، بدأت في فبراير 2011 و لم تنته حتى يومنا هذا (فبراير 2012)، وهذا يُعيد التاريخ مرة أخرى أمامنا، لأن تلك الأشهر الست قد قررها الضباط الأحرار عام 1952 كفترة إنتقالية للسلطة، و استمرت تلك الفترة 60 عام.

المرجع: كيف يُصنع القرار في الأنظمة العربية، مطبوعات مركز دراسات الوحدة العربية. مجموعة من المؤلفين.

مراد حسني

Sunday, February 19, 2012

نأخذك للجنَّة


فكّر قليلاً.. ما هو شعورك عندما تسمع التيارات الإسلامية تتحدث عن الخمر، و الملابس، و النقاب و الحجاب و أحكام الشريعة؟

هل تعتقد أن الإلتزام الأخلاقي (بنظام أخلاقي معين) هو الطريق إلى التقدُّم العلمي و العسكري، و تحقيق الريادة الدولية على الدول المحيطة؟

لأنني أكتب بالعربية فأنا أخاطب ناطقيها و قاطني المنطقة العربية.

لو كانت إجابتك على السؤال السابق بالنفي، فلماذا تُصر على التلفظ بمثل هذه الأفكار؟ أو تؤيد معتنقيها؟

ولو كانت إجابتك بالإيجاب، و أنت توافق و تؤيد هذه الفكرة، فلتسر معي قليلا في هذه الأفكار..

أنظر إلى الدول الاوروبية، أو أمريكا مثلا. أنظمتهم الأخلاقية تختلف جذريّاً عن أنظمتك العربية الإسلامية، و الأنكى إنك تُصنفهم: مُجتمعات مُنحلة، فاسدة، و فاجرة.

الغريب في الأمر أن تلك الدول مُتقدمة في كل المجالات التي نحلم بأن نصل إليها.

ألا يجعلك هذا تُعيد التفكير في حقيقة الطريق الذي إعتقدت أنه سيأخذك إلى عنوان ما؟

عندما يكون شعار أحزاب ما: إنتخبنا فنحن طريقك إلى الجنة، فهذا أمر يدعوني للتشكك و الإرتياب، فهو قد تجاهَل كل مشاكلي المجتمعية الإنسانية، و بدأ يُحادثني عن الجنة، و أخذ بإعتبارات غيبية (لا تصح سياسياً) و إعتبر أن الحياة الدنيا ما هي إلا مسألة عابرة، و الأهم هي الحياة الآخرة.

من يعتنق مثل هذه الأفكار، لا أثق في أنه الأصلح لي سياسيّاً (حتى لو كان يصلح دعويّا أو دينياً) فهو لا يؤمن بجدّية قضيتي في الحياة، ولكنه مُهتم بقضيّة ما بعد الموت.

عندما يُكلمني عن الخمور، و البيكيني، و غيرها من الأمور التي لا تجدها إلا بين أقل من 10% من المواطنين المصريين، و تتجاهل القضايا التي يُعاني منها الـ 90% الباقين، فهو أمر يدعو للتساؤل...

الـ 10 % الذين تهتم بهم التيارات الإسلامية هم فئة فوق المتوسطة في المجتمع، ومن النادر أن تجد لديها مشاكل إقتصادية. فما السر إنهم يحظون بكل هذا الإهتمام و التركيز من التيارات الإسلامية؟

تلك الفئة (10%) لم تنتخب التيارات الإسلامية، فيبدو لي كما لو أن تلك التيارات تريد مُعاقبة من لم ينتخبوها، أما من إنتخبوها، فقد تجاهلهم جميع قادة هذه التيارات.

كل تلك المسائل التي يهتم بها التيار السياسي الإسلامي في الإعلام، هي أمور لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بتقدُّم الدولة. بل هي على شاكلة الأمور التي تأخذك إلى الجنة (في مفاهيمهم)، و لذلك فلا تتوقع بعد شعار سنأخذك للجنة أن تجد أي إهتمام بمشاكلك المجتمعية الحالية.

وهنيئاً لك بإختيارك يا صديقي، أنا لا أسخر منك، ولكن أتمنى أن تعي هذه الأمور سريعاً.

إن حُريّة الإختيار أرقى كثيراً من قبول الأمر الواقع، فلو كان أمامي شخص إختار بإرادته الحرة إختيار معين من وسط مجموعة من الإختيارات مُمكنة له.

والآخر كُتب عليه نفس الإختيار ولا سبيل لديه للهروب.

فإعلم أن الشخص الأول يستحق التأمل قليلاً. و لكن التيارات الإسلامية واضح إنها لا تُريد إتاحة كل الإختيارات أمام المواطن، لا تُريد إتاحة الصالح و الفاسد، وهذا في حد ذاته إهانة للمواطن لإنهم يعتقدون بعدم أهلية المواطن ليقرر بنفسه ما يريد لنفسه.

وهم يؤكدون بذلك الجملة التي قالها المُفكّر عبدالله القصيمي المغضوب عليه: " الظروف هي التي تصنع القديس، و الظروف هي التي تصنع المجرم." وهي تنطبق على تفكير تلك التيارات الإسلامية تماماً.

أنت لست أذكى مني ولا أمهر مني ولا لديك خبرة أكثر مني لتقرر بالنيابة عني، ويوم أقبل مثل هذا الأمر، فأنا أعترف بأني غير مؤهل كمواطن أو كإنسان حتى.

قبل السقوط...

...

راجع الجزء الاول: تعالوا إلى كلمة سواء

http://www.facebook.com/note.php?note_id=10150305737452962

الجزء الثاني: الشعب يريد حُكم الله

http://www.facebook.com/note.php?note_id=10150453050907962

...

مراد حسني

الفشل المؤسسي


قديماً، منذ بضعة عقود كان المواطن المصري يأخذ معلوماته من الصحف الحكومية، و القنوات الحكومية و كان عددها محصوراً، أو يعرف الأخبار بالمنشورات..

والآن بعد التطور الثقافي و التكنولوجي المتوفر، تجد الفشل المؤسسي في مصر واضح، و يكشف كيف أن قواعد و أسس هذه المؤسسات لم توضع لتتطور مع تطور المجتمع، بل هي في إنفصال تام عنه...

أولاً: عندما يخرج عليك قاضٍ ما ليقرر حظر النشر في قضية ما، تنظر إليه بتعجب و كأن مؤسسة القضاء لم يصل إلى مسامعها خبر وجود صحافة على الإنترنت، من مدونات، و تويتر و فيسبوك، حيث تنتشر الفكرة أو ينتشر الخبر و لن تتمكن من تتبع مصدره أبداً. فتظهر فكرة حظر النشر واهية، من عصر آخر.

.....

ثانياً: عندما تجد التليفزيون المصري، يعرض مشاهد ما، و تتنقل بين القنوات الفضائية، تجدها تعرض مشهد مغاير تماماً، و عندما تبدأ الحقائق في الظهور، تتفاجأ بأن التليفزيون المصري كان يعرض (أي كلام) تعرف أن المؤسسة الإعلامية المصرية لم يصل إلى مسامعها أن كل بيت مصري به دش أو أكثر، و يمكنهم رؤية كل شيء و الإستغناء عن التليفزيون المصري، فيفقد التليفزيون قدرته على غسل العقول، و يصبح مجرد قنوات تجمع (عواطلية) يتقيأون ليل نهار على أنفسهم فقط و على المتخلفين.

فيكون الموقف كالآتي:

التليفزيون المصري: المتظاهرون مسلحون، يطلقون النيران على أفراد الجيش المصري العُزّل.

وتكتشف في اليوم التالي أن عدد من ماتوا من المتظاهرين المسلحين كان ست و عشرون متظاهر، و عدد من ماتوا من أفراد الجيش العُزّل كان: صفر...

....

ثالثا: عندما يخرج عليك اللواء الرويني (أحد أعضاء المجلس العسكري) ليبرر حملة إعتقالات قامت بها الشرطة العسكرية لمتظاهرين في التحرير فيكون الحوار كالآتي:

الرويني: كل من قبضنا عليهم في ميدان التحرير كانوا بلطجية

فيسألة المذيع: وما أدراكم بأنهم بلطجية؟

الرويني: كانوا يرتدون تيشيرتات مكتوب عليها: أنا بلطجي/ بلطجية.

....

رابعاً: عندما تجد الحكومة المصرية تخرج عليك بتصريحات مثل: أصابع خارجية، عناصر أجنبية، نسيج وطني، و المشهد العالمي لشيخ يُقبّل كاهن و تتماسح لحية كل منهما في لحية الآخر..

و هذه الكلمات و المشاهد تُعرض علينا بشكل دوري في الثلاثين عاماً الماضية، فتتغير الحكومة و لكنها تلتزم بأسلوب الحكومة السابقة، و كأنهم لا يدركون أن ما يفعلونه لم يأت بأي نتيجة خلال ثلاثين عاماً، فيكررونه!

يا سادة، نحن نمتلك كومبيوترات، بها هاردات تستطيع تخزين كل البرامج و البيانات و الحلقات، و يمكن أن نرى مدى التشابه بينكم و بين من سبقوكم، إن لم تُسعفنا ذاكرتنا العقلية، فستسعفنا ذاكرة الكومبيوتر!

.....

خامساً: عندما تجد المحامي في جلسات محاكمة مبارك لا يُفرّق بين كلمة: طلب و كلمة: مرافعة، تتيقن بفشل منظومة التعليم في مصر.

....

سادساً: عندما يخرج لواء عسكري ليقول لك: إن المدرعات التي دهست المتظاهرين هي مدرعات مسروقة من القوات المسلحة...تعلم بفشل العقلية العسكرية، فللخروج من مأزق قتل المتظاهرين، يدخل في مأزق إهانة المؤسسة العسكرية بأكملها و يعترف بفشلها في حماية ممتلكاتها، فكيف تحمي ممتلكات غيرها؟

.....

سابعاً: عندما تكتشف أن تسعين بالمائة من الصحافيين المطالبين بالتغيير منذا سنوات، لم يقرأوا كتاباً واحداً عن تاريخ مصر، ولا عن ثورات مصر السابقة...تكتشف الفشل نخبوي..

وللفشل المؤسسي بقية...

قبل السقوط...الجزء الخامس


لقد واجهت مجتمعاتنا الإسلامية هزائمها السياسية بأحد موقفين رئيسيين. موقف يطالب بالإصح الديني، و موقف يُطالب بالأخذ بالثقافة الأوروبية. فحدث صراع بين التيارين، فأنصار التجديد و الإصلاح الديني ساروا في طريق، و أنصار الأخذ بالثقافة الأوروبية ساروا في طريق. فأصيب المجتمع بإزدواج مُعطّل في الثقافة، لا يسمح بتطوير سليم لهذه الثقافة أو تلك. و كان أخطر وسائل العلاج لهذا الإزدواج هو الدعوة للتوفيق بين الثقافتين.. ثقافة إسلامية عربية، و ثقافة أوروبية. وهي دعوة شديدة الغموض. لا تفلح في أغلب الأحوال إلا في إخراج مثقفين منافقين أو إنتهازيين. يستطيعون الحديث بلغة مزدوجة و بوجهين، وجه إسلامي أحياناً، ووجه أوروبي غربي أحياناً. دون أن تكون هناك أصالة حقيقية لهذا الوجه أو ذاك.

و المشكلة لا تبدأ من الثقافة سواء كانت إسلامية أم غربية، لكنها تبدأ من الإنسان ذاته، وهل هو مؤهل لإستخدام ملكاته العقلية بحيث يستطيع أن يواجه مسئولياته على أي مستوى مواجهة حقيقية؟

المطلوب أولا القدر السليمة على التفكير. و ليس المطلوب أولا عملية التوفيق بين الثقافتين. أو اللجوء إلى أساليب النعام بدفن رؤوسنا في رمال الماضي و ذكرياته. أو اللجوء إلى أساليب القرود. نقلد ما نراه في المجتمعات الصناعية المتقدمة و المتفوقة عسكريا و مادياً.

وهناك من فقد الثقة تماماً في كل هذا فرفض الحاضر بكل مشاكله، و زعم لنفسه أن العلاج في الدعوة هو إسترجاع أيام السلف الصالح و العودة إلى مجتمع الخلفاء الراشدين.

و لست أدري ما صلة الدين بهذه الدعوة؟

إنها أولا دعوة مستحيلة فالماضي لا يعود، و إعادة أيام السلف الصالح ضرب من الوهم و حنين رومانتيكي ساذج إلى ذكريات مهما كانت روعتها و أمجادها، إلا إنها ستظل مجرد ذكريات. و إذا كان المطلوب هو أن نعود إلى القيم التي تعامل بها السلف الصالح، و إتباع قواعد سلوكهم، فالمطلوب أيضاً عودة نفس النماذج البشرية المثالية التي عرفتها مجتمعات ذلك الزمان الذي إنقضى. و من يستطيع أن يسترجع إنساناً كأبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان!

وحتى لو استعدنا و استرجعنا هذا المجتمع بشخصياته، وهذا يدخل في باب الدين و الإيمان بل يدخل في باب استحضار الأرواح، فإننا لا نستطيع أن نستعيد أيام أبي بكر دون أن نستعيد حركات الردة و مسيلمة الكذاب، ولا نستطيع أن نسترجع أيام عمر دون أن نسترجع قاتله، و الذين عارضوه و كرهوا أيامه، و من بينهم مجتمعات إسلامية توارثت هذه الكراهية حتى يومنا هذا. فمن يستطيع أن ينطق باسم عمر في البصرة بالعراق، أو يسمي إبنه باسم عمر في إيران؟

وكذلك الذين يحلمون باستعادة أيام علي، لن يهربوا من عودة الخوارج و الأمويين، و الذين سفكوا دماء علي وولديه الحسن و الحسين، و ذبحوا أهله و عشيرته.

ولا نستطيع أن نستعيد عثمان بن عفان، دون أن نستعيد الفتنة، و النزاع الدموي على توزيع الثروات. و من هو أحق بأموال المسلمين.

إن حديث إستعادة الماضي، ليس حديثاً في الدين، وهو وهم مستحيل، و أيضاً وهم خادع و مُضلل، يروح ضحيته آلاف من المسلمين تضيع أيامهم في إنتظار الوهم الذي لن يتحقق، و تتعطل طاقاتهم و تتبدد جهودهم وهم في حالة إنتظار.

لذلك فإن الذين ينادون بإستعادة الماضي يزيفون التاريخ، و يتجاهلون الأحداث التي جرت، و التناقضات و الصراعات التي نشبت و التي واجهها الرسول وهو يؤدي رسالته.

.......

أزمة الإسلام مع السياسة، فتحي غانم صـ 42-45

قبل السقوط...الجزء الرابع


إن قبول الأخوان أن يكونوا أقلية مضطهدين لأمر خطير، ووافقوا على أن يكونوا جماعة منسلخة عن مجتمع المسلمين الموجود في مصر، و هم بهذا إما إعتبروا أنفسهم جماعة و يترتب على هذا الفهم تفكير المجتمع كله دون أن يعلنوا ذلك،أو أن يكونوا قد وافقوا على هذا الوصف للإستفادة من دفاع الأمريكان عن الأقليات المضطهدة في العالم الإسلامي، لعل ذلك يرفع عنهم ما هم فيه من عنت و إهمال.

ولكن ليعلموا أن ما يراد بمصر أخطر مما يتصورون، فمصر مستهدفة في أمنها ووحدتها و في إقتصادها و العين اليقظة فقط هي التي تعمل على حماية مصر من تلك الأخطار و يسير بها إلى بر الأمان.

على أن الإخوان دائما ما يتحركون أثناء الأزمات في محاولة الإتفاق مع القوى الوطنية الأخرى، كما يحاولون هذه الأيام كما قلت آنفاً تشكيل لجنة وطنية من قوى مختلفة، هكذا فعلوا من قبل أثناء مفاوضات صدقي باشا مع الإنجليز، حيث تحالفوا مع الوفد و الشيوعيين على مراقبة تلك المفاوضات ووضع شروطاً لها، ثم إنقلب الوضع إلى رفض المفاوضات من أساسه و ظلت المعارضه بكل أشكالها من مظاهرات مستمرة و حرائق و الإعتداء على الممتلكات العامة حتى إستقال صدقى باشا و تلاه وزارة النقراشي و التي أيدها الإخوان بعد أن غدروا بحلفائهم لمجرد أن الحكومة قد أظهرت لهم بعض اللين و بعض الوعود الخاصة، فقد تنكبوا لحلفائهم و ليعلم كل من يتحالف مع الإخوان في هذه المرحلة إنهم سوف يتركونه وحده في الطريق حين أول بادرة من الحكومة بإعظائهم بعض المزايا أو الإفراج عن المعتقلين، و لذلك فقد رفضت حركة كفاية الإنضمام إلى التجمع الإخواني لعلمهم التاريخي بما سيكون من الإخوان...إلى جانب ضيق أفقهم و قصر رؤيتهم للأحداث و التاريخ، إن كل ما يريده الإخوان من كل هذا هو السماح لهم بالعمل العلني المعترف به، و هم في سبيل ذلك مستعدون لدفع أي ثمن.

و قد كان هذا هو حالهم حين خرجوا من السجون في عام 1949 و قد حاولوا من جديد التمسح بأذيال الوفد على إنه حزب الأغلبية و ليس بينه و بين الإخوان أي تعارض كما قال صالح عشماوي في هذا الوقت لمراسل وكالة أسوشيتدبرس... (إن الوفد هو الحزب الشعبي لمصر و أعضاءه ينتمون إلى نفس الطبقات التي ينتمي إليها الإخوان، أي الطبقات الشعبية، و على ذلك فليس هناك أي تنافس بين الجماعة و الوفد) حتى أنهم كي يرضوا حزب الوفد إقترحوا تغيير إسم الجماعة إلى "النهضة الإسلامية" و بعد قليل تم إتهام الوفد بالغدر و الخديعة، و عادوا مرة أخرى إلى العداء و التقليد بينهم. إنهم يكررون أخطائهم بنفس القدر و نفس الإسلوب و لا يتعلمون أبداً ولا يستفيدون من أخطائهم مع أن حديث الرسول " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" فلعلهم يعودون و يتعلمون و يصححون مسارهم..

.....

من كتاب التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، علي العشماوي (من قادة التنظيم الخاص للإخوان) صـ 59-61