
لست أعرف للحياة معنى سوى أنها قدرة الكائن الحي على الخلق و الإبداع. و الأمة تسري فيها الحياة بقدر ما هي قادرة على الخلف و الإبداع.
للأسف تجد الكثير من الناس يُحزنهم أن يُقال على الإنسان أنه خالف مبتكر قوي غلاب، فهم ينظرون إلى الدنيا بمناير نفوسهم، فلا يرون فيها إلا ضعفاً و عجزاً و عقماً و جموداً.
يفرحون و يصفقون و تتهلل بالبشر أساريرهم إن قيل أن الإنسان مخلوق ضعيف متهافت هزيل ضئيل.
فتجدهم حين تسود طبقة من الناس على طبقة يقولون: هذا حُكم القدر، و إن هبطت أسعار السلع في السوق فإنه حُكم القدر، و إن ارتفعت الأثمان، أو تفشى البؤس و المرض و الجوع و الفقر.. كل هذا من حُكم القدر.
نحن أمة من الأموات، لأننا نخلق جديداً..
فلماذا لا نخلق أو نبتكر الجديد؟
لأن لنا أخلاق العبيد، و الخلق لا يكون إلا بعد سيادة و عزة و طموح...
نحن عبيد في فلسفتنا الأخلاقية، و الإجتماعية.. عبيد في بطانتنا الثقافية.
فلسفتنا الأخلاقية:
نحن عبيد في فلسفتنا الأخلاقية لأن مقياس الفضيلة و الرذيلة عندنا هو طاعة سلطة خارجية عن أنفسنا أو عصيانها، فأنت فاضل إن أطعت، فاسق إن عصيت. لست أنت الذي يشرّع لنفسه ما يأخذ و ما يدع، ما يعمل وما لا يعمل، و يستحيل أن تكون إنساناً حراً إلا إذا كان لك من نفسك مشروع يهديك سواء السبيل بغض النظر عما تمليه السلطة الخارجية عن نفسك، و بغض النظر عن كل ما يترتب على عملك من ثواب أو عقاب.
فلسفتنا الاجتماعية:
نحن عبيد في فلسفتنا الاجتماعية بداية من الأسرة التي تقوم على الاستبداد من صاحب الأمر، و الطاعة العمياء ممن يعتمدون في حياتهم عليه، فالزوج هو صاحب الكلمة النافذة على زوجته و أطفاله.
الأسرة التي يكون للزوج فيها على زوجته كلمة لا تُرد، و يكون للوالدين فيها حق الأمر بلا نقاش من الأطفال هي الأسرة المثالية في أعين المجتمع.
و في الدولة نظام استبدادي شبية، يوجد بها حاكم بأمره، طاغية، و شعب يطيع ولا يناقش، فيها راع و رعيته بالمعنى الحرفي لهاتين الكلمتين (راعياً و قطيعاً من الخراف). و من يحتل درجة أعلى له الحق في أن يستبد بمن هو في درجة أدنى، ولا يُقبل سوى الطاعة من صاحب تلك الدرجة الأقل.
بطانتنا الثقافية:
نحن عبيد في بطانتنا الثقافية لأننا نكره المتشكك و نمقته، و نحب المؤمن المصدق و نقدره، يسود ميل شديد إلى الإيمان بصدق ما قاله الأولون، وكأنهم ملائكة مقربون، و نحن أنجاس مناكيد. و لو حللت الموقف ألقيته موقف العبد نحو سيده.
فأنت تقرأ الكتاب – القديم بوجه خاص – فلا ينشط فيك عقل الناقد الذي ينظر إلى الكاتب نظرة الند للند، يناقشه الحساب فيما يقول، بل تقف مما تقرؤه موقف المستمع الذي حرّم الله عليه أن يتشكك في صدق ما يُقال. و من هذا القبيل مثلا ميل الناس إلى تصديق المطبوع، و ميل التلاميذ إلى الإيمان بصدق ما يقوله المعلم.
والدلالة على أننا نتخلَّق بأخلاق العبيد ما يلي:
تخيل هذا الموقف: مسؤول في دولة أجنبية (وزير مثلا) يقف في صف حتى يشتري ما يريد، فهل يمكن أن يحدث هذا في بلادنا؟
قطعا لا، لسببين:
الأول (وهو أخف السببين شراً): أن المسؤول المصري لا يرضى لنفسه أن يكون في جمهورة من الناس تضم بين أفرادها عدداً من الموظفين الصغار أو المواطنين العاديين، لأنه يريد لنفسه سيطرة و سياده، و هاتان شرطهما: الترفُّع و التعالي.
التاني (وهو المأساة الحقيقية): حتى لو فرضنا حدوث المستحيل، و التزم هذا المسؤول بالصف، سيأبى الناس على المسؤول أن يكون مثلهم، و أن يقف معهم على قدم المساواة، ستجد الناس و قد تسابقوا للتنحي لهذا المسؤول عن مكان الصدارة في الصف، و قد يدفعوا بالنيابة عنه.
فإن نهرت أحدهم بأن تلك أخلاق العبيد، لاستغرب و استعجب مقالك هذا و سيبرر ما يفعله..
فأقول له: قل ما شئت يا "خروف"، قل أنها وداعة الحملان، أو تواضع و أن للتواضع عند الله رفعة الشأن، أو قل أنه كرم نفس، قل ما شئت ولكن عندي في ذلك علامة لا تُخطيء على ما في نفسك من ذُل العبيد، الذي يستمريء ضرب المخالب، أو يستلذ وقع الأنياب.
ما يغيب عنا أن القوة لها سبيلان:
القدرة: وهي السبيل الحقيقية التي لا زيف فيها ولا خداع
السيطرة: وهي السبيل المزيفة
وهما نقيضان لا يجتمعان
فإن كنت قوياً بسبب قدرتك، يستحيل أن تلجأ إلى بسط سيطرتك على الآخرين، و إن كنت راغباً في بسط سيطرتك، فيستحيل أن تكون قادراً ماهراً
الطاغية في صميم طبيعته عبد يذل للقوة حين يراها، كما أنه يبطش بالضعف أينما رآه
العبودية و الطغيان وجهان لعملة واجدة...
هذا المقال عبارة عن تلخيص و إعادة صياغة لمجموعة من مقالات د. زكي نجيب محمود من كتاب: جنّة العبيط
والمقالات هي:
الكبش الجريح
لماذا لا نخلق 1 – 2
أخلاق العبيد
.....
مراد حسني
No comments:
Post a Comment