
هذا المقال هو إيجاز سريع لفكرة الفيلسوف ميشيل فوكو عن السلطة..
لا ينبغي أن نُحلل السلطة انطلاقا من التسليم بسيادة الدولة أو صورة القانون أو الوحدة الشاملة لهيمنة معينة، فهذه ليست بالحري إلا الأشكال التي تنتهي إليها السلطة.
تعريف السلطة:
لكن السلطة هي علاقات القوى المتعددة، إنها الحركة التي تحوّل تلك القوى و تزيد من حدتها و تقلب موازينها بفعل الصراعات و المواجهات التي لا تنقطع، وهي السند الذي تجده تلك القوى عند بعضها البعض، بحيث تُشكل تسلسلاً و منظومة، أو على العكس من ذلك، تُشكل تفاوتاً و تناقضاً يعزل بعضها عن بعض، وهي أخيراً الاستراتيجيات التي تفعل فيها تلك القوى فعلها، و التي يتجسد مرماها العام و يتبلور في مؤسسات أجهزة الدولة و صياغة القانون و أشكال الهيمنة الاجتماعية.
السلطة حاضرة في كل مكان، ليس لأنها تتمتع بقدرة جبارة على ضم كل شيء تحت وحدتها التي لا تُقهر، إنما لأنها تتولد في كل لحظة، عند كل نقطة، أو بالأولى، في علاقة نقطة بأخرى. إذا كانت السلطة حالّة في كل مكان فليس لأنها تشمل كل شيء، وإنما لأنها تأتي من كل صوب.
فليست إلا نتيجة عامة ترتسم انطلاقاً من جميع الحركات، و ليست إلا الرباط الذي يستند إلى كل حركة فيسعى إلى تثبيتها.
ليست السلطة مؤسسة أو بنية، ولا قوة خولت للبعض، لكنها الاسم الذي نُطلقه على وضعية استراتيجية مُعقدة في مجتمع مُعين.
خصائص السلطة:
أولاً: السلطة ليست شيئاً يُحصل عليه أو يُنتزع أو يُقتسم، ليست شيئاً نحتكره أو ندعه يفلت من أيدينا، إنها تُمارس انطلاقاً من نقط لا حصر لها، و في خضم علاقات متحركة لا متكافئة.
ثانياً: لا تقوم علاقات السلطة خارج أنواع أخرى من العلاقات (الاقتصادية و المعرفية و الجنسية)، إنما هي مُلازمة لها، إنها النتائج المُباشرة التي تتمخض عن التقسيمات و اللاتكافؤات و الاختلالات التي تتم في تلك العلاقات، وهي الشروط الداخلية لتلك التمايزات. لا تقوم علاقات السلطة في بنية عليا، ولا يقتصر دورها على الحظر و التجديد، بل أن لها حيت تعمل عملها دوراً خلاقاً.
ثالثا: إن السلطة تأتي من أسفل، وهذا يعني أن ليس هناك في أصل علاقات السلطة (كطابع عام) تعارض ثنائي شامل بين المسيطرين و من يقعون تحت السيطرة، بحيث ينعكس صدى هذا التعارض من أعلى إلى أسفل، و على جماعات يزداد ضيقها إلى أن يبلغ أعماق الجسم الإجتماعي.
ينبغي أن نفترض بالحري أن علاقات القوى المتعددة التي تتكون و تعمل في أجهزة الإنتاج و الأسر و الجماعات الضيقة و المرسسات تكون حاملاً للإنقساماتت التي تسري في الجسم الإجتماعي بمجموعه. حينئذ تشكل هذه الانقسامات العمود الفقري الذي يخترق المنازعات المحلية و يربط بينها، و كرد فعل، فهي تقوم، بطبيعة الحال بإعادة توزيع تلك المنازعات و تنظيمها و ضمها و توحيدها و الربط فيما بينها و جمعها. وما أشكال القهر الكبرى إلا نتائج الهيمنة التي تدعمها على الدوام شدة كل تلك المواجهات و المنازعات.
رابعاً: حيث تقوم السلطة، تكون مُقاومة، و بسبب ذلك فإن هذه المقاومة لا تقوم خارج السلطة.
إن نقط المقاومة و بؤرها مُشتتة تختلف كثافتها حسب الزمان و المكان، فأحياناً تقيم جماعات و أفراداً، و توقظ بعض المناطق من الجسد الغجتماعي، و تنعش بعض اللحظات من الحياة، و تحيي بعض أنواع السلوك و التصرفات، و قد تُحدث أحياناً انفصالات كُبرى جذرية و انقساماً ثنائياً هائلا.
ومع ذلك في أغلب الأوقات نجد أنفسنا أمام نقط مقاومة متحركة مؤقتة تُقحم في المجتمع صدعاً متنقلاً، فتعدد وحدات و تضم شتات جماعات، و تحذث انفصاما في الأفراد ذاتهم و تشتتهم و تعيد صياغتهم راسمة عليهم، و على أجسامهم و نفوسهم، مناطق لا تُمحى.و مثلما أن شبكة علاقات السلطة لابد و أن تشكل نسيجاً سميكاً يخترق الأجهزة و المؤسسات، و من غير أن يستقر عليها، فإن تبعثر نقط المقاومة يخترق التراتبات الاجتماعية و الوحدات الفردية، وما من شك أن التنظيم الاستراتيجي لهذه النقط هو الذي يجعل الثورة ممكنة، مثلما أن الدولة تقم على ضم علاقات السلطة في مؤسسات.
المراجع:
جينيالوجيا المعرفة – ميشيل فوكو
يجب الدفاع عن المجتمع ميشيل فوكو
..
مراد حسني
No comments:
Post a Comment