Monday, March 19, 2012

تشريح السُلطة


تعريف السلطة:

هي القدرة و القوة على الشيء، وهي إحدى الوظائف الأساسية للتنظيم الإجتماعي للمجتمع، وهي القوة الآمرة التي في حوزتها الإمكانية الفعلية لتسيير أنشطة الناس، و تنسيق المصالح المتعارضة للأفراد أو الجماعات، و بالحاق تلك المصالح بإرادة واحده عن طريق الإفناع أو القسر. فهي مُمارسة نشاط ما على سلوك الناس، و القدرة على التأثير في ذلك السلوك و توجيهه نحو الأهداف و الغايات التي يحددها من له القدرة على فرض إرادته.

كيف تكتسب السلطة مشروعيتها؟

عن طريق ثلاثة نماذج:

الأول: نموذج تقليدي يستند إلى نفوذ "الأمس الأذلي" و يتمثل في سلطة الأعراف و قداسة الاعتقاد في السلف.

الثاني: نموذج السلطة الكاريزماتية المبنية على الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص استثنائي بسبب قداسته أو بطولته أو ميزاته المثالية.

الثالث: السلطة المستمدة من الاعتراف بمعقولية التشريعات و القوانين.

..

السلطة دائما تبحث عن شرعيتها و الاعتراف بها، لا فقط بمعرفتها و التعرف عليها، بل أيضاً بتجسيدها و ممارستها، بتوازنها و اختلالها، بمرونتها و عنفيتها، بتخفّيها و تجليها في صلب العلاقات الاجتماعية.

تظهر السلطة دائما بمظهر غائي، حيثث تتجلى قدرتها في التأثير الفعلي على الأشخاص و الوقائع، و لتحقيق ذلك قد تلجأ السلطة إلى الإكراه و القسر، و قد تستغل الأعراف و الطقوس و الاحتفالات لتؤمّن استمرارها و تجدُّد دورها في المجتمع، فهي تستعمل جُملة من الرموز المُعبرة عن وجها المزدوج في بحثها عن الوحدةالداخلية للجماعة و في التصدي للمخاط الخارجية القائمة أو المحتملة.

خصائص السلطة:

أولاً، المحافظة: السلطة تدعو إلى احترام القواعد و تحث على طاعتها لتؤمن الاستقرر و تتعرض إلى أقل ما يمكن من التحولات، و لتتقي كل أشكال الفوضى الممكنة،

ثانياً، التفاوت: تحافظ السلطة على مراتبية اجتماعية معينة يتدخل في تحديدها "الجنس و العمر و الموقع الاجتماعي و الاختصاص و الصفات الشخصية".أي أنها تحافظ على هرمية معينة، و تعمل على اعادة انتاج العلاقات الاجتماعية التي تولد الهيمنات و التبعيات.

ثالثا، القداسة: التفاوت الذي ذكرناه في العلاقات الاجتماعية يولد قداسة داخل السلطة، فممارسة السلطة تخلق لدى الحكام شعوراً بالسمو، وحتى لو كان الحاكم فرداً عادياً من أفراد الشعب فإنه بعد ممارسة السلطة يتولد لديه إحساس بأنه مختلف عن أمثاله من أفراد الشعب، و أنه يتمتع بإرادة من طبيعة سامية تعلو على إرادة الخاضعين، و تُسمى تلك الظاهرة: "الأنا الحكومية".

هذا التعالي و التسامي هو الذي يولد فعلياً الإيمان بقداسة السلطة، و حتى بقداسة من يمارسونها.

جميع الدراسات السوسيولوجية و الأنثروبولوجية تؤكد كلها دون استثناء أن هناك رابطة حميمية بين السلطة و القداسة، من احتفالات التنصيب، مروراً بمراسم الطاعة و الولاء و التعظيم، وصوصلاً إلى الخوف المُطلق من لعنة انتهاك المقدسات. كل تلك المظاهر ما هي إلا بقايا عبادة الملوك في الأمس البعيد.

رابعاً، الالتباس: القران بين الضعف و القوة، بين العنف و المهادنة، بين الملك و المهرج. ففي نفس الوقت الذي تسعى فيه السلطة لزيادة هيمنتها و توطيد استمرارها، تعمل على تحقيق الأهداف و المصالح الجماعية. فللسلطة سمة التأرجح و التراوح بين طبيعتها النرجسية، و بين ما يؤمِّن هذه النرجسية و يناقضها في نفس الآن. أي الغيرية القائمة في الأهداف الإجتماعية.

والأمر في نهايته لا يتجاوز المصلحة الشخصية، وهو عبارة عن السعي لتحقيقه، و توق لسكنى مدينة الأمر.

اللبس قائم في جوهر السلطة، ويتجلي الدهاء الأقصى للسلطة في اعتراضها على ذاتها طقسياً لكي تتوطد بصورة أفضل. وهذا ما يؤكد السمة الالتباسية للسلطة، فمن يصرخ: لا لسلطة الدولة، هو ذاته من يهمس: نعم لحزبه.

فالفراعنة الذين بنوا الأهرام في دليل صارخ على نرجسيتهم، هم نفس الأشخاص الذي شقوا الترع ووضعوا مقاييس النيل و استصلحوا الأراضي الزراعية للفلاحين و غيرها.

..

هذا المقال هو اختصار شديد لماهية السلطة في أفكار:

ماكس فيبر، جورج بالانديه، جان مينو، جميل صليبا.

وقد نكتب مقالاً عن السلطة في منهج فوكو.

مراد حسني

No comments:

Post a Comment