Sunday, February 19, 2012

قبل السقوط...الجزء الخامس


لقد واجهت مجتمعاتنا الإسلامية هزائمها السياسية بأحد موقفين رئيسيين. موقف يطالب بالإصح الديني، و موقف يُطالب بالأخذ بالثقافة الأوروبية. فحدث صراع بين التيارين، فأنصار التجديد و الإصلاح الديني ساروا في طريق، و أنصار الأخذ بالثقافة الأوروبية ساروا في طريق. فأصيب المجتمع بإزدواج مُعطّل في الثقافة، لا يسمح بتطوير سليم لهذه الثقافة أو تلك. و كان أخطر وسائل العلاج لهذا الإزدواج هو الدعوة للتوفيق بين الثقافتين.. ثقافة إسلامية عربية، و ثقافة أوروبية. وهي دعوة شديدة الغموض. لا تفلح في أغلب الأحوال إلا في إخراج مثقفين منافقين أو إنتهازيين. يستطيعون الحديث بلغة مزدوجة و بوجهين، وجه إسلامي أحياناً، ووجه أوروبي غربي أحياناً. دون أن تكون هناك أصالة حقيقية لهذا الوجه أو ذاك.

و المشكلة لا تبدأ من الثقافة سواء كانت إسلامية أم غربية، لكنها تبدأ من الإنسان ذاته، وهل هو مؤهل لإستخدام ملكاته العقلية بحيث يستطيع أن يواجه مسئولياته على أي مستوى مواجهة حقيقية؟

المطلوب أولا القدر السليمة على التفكير. و ليس المطلوب أولا عملية التوفيق بين الثقافتين. أو اللجوء إلى أساليب النعام بدفن رؤوسنا في رمال الماضي و ذكرياته. أو اللجوء إلى أساليب القرود. نقلد ما نراه في المجتمعات الصناعية المتقدمة و المتفوقة عسكريا و مادياً.

وهناك من فقد الثقة تماماً في كل هذا فرفض الحاضر بكل مشاكله، و زعم لنفسه أن العلاج في الدعوة هو إسترجاع أيام السلف الصالح و العودة إلى مجتمع الخلفاء الراشدين.

و لست أدري ما صلة الدين بهذه الدعوة؟

إنها أولا دعوة مستحيلة فالماضي لا يعود، و إعادة أيام السلف الصالح ضرب من الوهم و حنين رومانتيكي ساذج إلى ذكريات مهما كانت روعتها و أمجادها، إلا إنها ستظل مجرد ذكريات. و إذا كان المطلوب هو أن نعود إلى القيم التي تعامل بها السلف الصالح، و إتباع قواعد سلوكهم، فالمطلوب أيضاً عودة نفس النماذج البشرية المثالية التي عرفتها مجتمعات ذلك الزمان الذي إنقضى. و من يستطيع أن يسترجع إنساناً كأبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان!

وحتى لو استعدنا و استرجعنا هذا المجتمع بشخصياته، وهذا يدخل في باب الدين و الإيمان بل يدخل في باب استحضار الأرواح، فإننا لا نستطيع أن نستعيد أيام أبي بكر دون أن نستعيد حركات الردة و مسيلمة الكذاب، ولا نستطيع أن نسترجع أيام عمر دون أن نسترجع قاتله، و الذين عارضوه و كرهوا أيامه، و من بينهم مجتمعات إسلامية توارثت هذه الكراهية حتى يومنا هذا. فمن يستطيع أن ينطق باسم عمر في البصرة بالعراق، أو يسمي إبنه باسم عمر في إيران؟

وكذلك الذين يحلمون باستعادة أيام علي، لن يهربوا من عودة الخوارج و الأمويين، و الذين سفكوا دماء علي وولديه الحسن و الحسين، و ذبحوا أهله و عشيرته.

ولا نستطيع أن نستعيد عثمان بن عفان، دون أن نستعيد الفتنة، و النزاع الدموي على توزيع الثروات. و من هو أحق بأموال المسلمين.

إن حديث إستعادة الماضي، ليس حديثاً في الدين، وهو وهم مستحيل، و أيضاً وهم خادع و مُضلل، يروح ضحيته آلاف من المسلمين تضيع أيامهم في إنتظار الوهم الذي لن يتحقق، و تتعطل طاقاتهم و تتبدد جهودهم وهم في حالة إنتظار.

لذلك فإن الذين ينادون بإستعادة الماضي يزيفون التاريخ، و يتجاهلون الأحداث التي جرت، و التناقضات و الصراعات التي نشبت و التي واجهها الرسول وهو يؤدي رسالته.

.......

أزمة الإسلام مع السياسة، فتحي غانم صـ 42-45

No comments:

Post a Comment