Thursday, March 22, 2012

السُلطة في فكر ميشيل فوكو


هذا المقال هو إيجاز سريع لفكرة الفيلسوف ميشيل فوكو عن السلطة..

لا ينبغي أن نُحلل السلطة انطلاقا من التسليم بسيادة الدولة أو صورة القانون أو الوحدة الشاملة لهيمنة معينة، فهذه ليست بالحري إلا الأشكال التي تنتهي إليها السلطة.

تعريف السلطة:

لكن السلطة هي علاقات القوى المتعددة، إنها الحركة التي تحوّل تلك القوى و تزيد من حدتها و تقلب موازينها بفعل الصراعات و المواجهات التي لا تنقطع، وهي السند الذي تجده تلك القوى عند بعضها البعض، بحيث تُشكل تسلسلاً و منظومة، أو على العكس من ذلك، تُشكل تفاوتاً و تناقضاً يعزل بعضها عن بعض، وهي أخيراً الاستراتيجيات التي تفعل فيها تلك القوى فعلها، و التي يتجسد مرماها العام و يتبلور في مؤسسات أجهزة الدولة و صياغة القانون و أشكال الهيمنة الاجتماعية.

السلطة حاضرة في كل مكان، ليس لأنها تتمتع بقدرة جبارة على ضم كل شيء تحت وحدتها التي لا تُقهر، إنما لأنها تتولد في كل لحظة، عند كل نقطة، أو بالأولى، في علاقة نقطة بأخرى. إذا كانت السلطة حالّة في كل مكان فليس لأنها تشمل كل شيء، وإنما لأنها تأتي من كل صوب.

فليست إلا نتيجة عامة ترتسم انطلاقاً من جميع الحركات، و ليست إلا الرباط الذي يستند إلى كل حركة فيسعى إلى تثبيتها.

ليست السلطة مؤسسة أو بنية، ولا قوة خولت للبعض، لكنها الاسم الذي نُطلقه على وضعية استراتيجية مُعقدة في مجتمع مُعين.

خصائص السلطة:

أولاً: السلطة ليست شيئاً يُحصل عليه أو يُنتزع أو يُقتسم، ليست شيئاً نحتكره أو ندعه يفلت من أيدينا، إنها تُمارس انطلاقاً من نقط لا حصر لها، و في خضم علاقات متحركة لا متكافئة.

ثانياً: لا تقوم علاقات السلطة خارج أنواع أخرى من العلاقات (الاقتصادية و المعرفية و الجنسية)، إنما هي مُلازمة لها، إنها النتائج المُباشرة التي تتمخض عن التقسيمات و اللاتكافؤات و الاختلالات التي تتم في تلك العلاقات، وهي الشروط الداخلية لتلك التمايزات. لا تقوم علاقات السلطة في بنية عليا، ولا يقتصر دورها على الحظر و التجديد، بل أن لها حيت تعمل عملها دوراً خلاقاً.

ثالثا: إن السلطة تأتي من أسفل، وهذا يعني أن ليس هناك في أصل علاقات السلطة (كطابع عام) تعارض ثنائي شامل بين المسيطرين و من يقعون تحت السيطرة، بحيث ينعكس صدى هذا التعارض من أعلى إلى أسفل، و على جماعات يزداد ضيقها إلى أن يبلغ أعماق الجسم الإجتماعي.

ينبغي أن نفترض بالحري أن علاقات القوى المتعددة التي تتكون و تعمل في أجهزة الإنتاج و الأسر و الجماعات الضيقة و المرسسات تكون حاملاً للإنقساماتت التي تسري في الجسم الإجتماعي بمجموعه. حينئذ تشكل هذه الانقسامات العمود الفقري الذي يخترق المنازعات المحلية و يربط بينها، و كرد فعل، فهي تقوم، بطبيعة الحال بإعادة توزيع تلك المنازعات و تنظيمها و ضمها و توحيدها و الربط فيما بينها و جمعها. وما أشكال القهر الكبرى إلا نتائج الهيمنة التي تدعمها على الدوام شدة كل تلك المواجهات و المنازعات.

رابعاً: حيث تقوم السلطة، تكون مُقاومة، و بسبب ذلك فإن هذه المقاومة لا تقوم خارج السلطة.

إن نقط المقاومة و بؤرها مُشتتة تختلف كثافتها حسب الزمان و المكان، فأحياناً تقيم جماعات و أفراداً، و توقظ بعض المناطق من الجسد الغجتماعي، و تنعش بعض اللحظات من الحياة، و تحيي بعض أنواع السلوك و التصرفات، و قد تُحدث أحياناً انفصالات كُبرى جذرية و انقساماً ثنائياً هائلا.

ومع ذلك في أغلب الأوقات نجد أنفسنا أمام نقط مقاومة متحركة مؤقتة تُقحم في المجتمع صدعاً متنقلاً، فتعدد وحدات و تضم شتات جماعات، و تحذث انفصاما في الأفراد ذاتهم و تشتتهم و تعيد صياغتهم راسمة عليهم، و على أجسامهم و نفوسهم، مناطق لا تُمحى.و مثلما أن شبكة علاقات السلطة لابد و أن تشكل نسيجاً سميكاً يخترق الأجهزة و المؤسسات، و من غير أن يستقر عليها، فإن تبعثر نقط المقاومة يخترق التراتبات الاجتماعية و الوحدات الفردية، وما من شك أن التنظيم الاستراتيجي لهذه النقط هو الذي يجعل الثورة ممكنة، مثلما أن الدولة تقم على ضم علاقات السلطة في مؤسسات.

المراجع:

جينيالوجيا المعرفة – ميشيل فوكو

يجب الدفاع عن المجتمع ميشيل فوكو

..

مراد حسني

Wednesday, March 21, 2012

القضاء المصري و تصدير الغاز


هذا المقال هو عرض تراتبي لموقف القضاء من تصدير الغاز لإسرائيل...

كانت الحكومة المصرية قد وقَّعت إتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل عام 2005، و تقضي بتصدير 1,7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي إلى إسرائيل لمدة 20 عاماً، بثمن يتراوح بين 70 سنتاً و 1,5 دولار للمليون وحدة حرارية، بينما يصل سعر التكلفة إلى 2,65 دولار. و قد أثارت هذه الإتفاقية حملة احتجاجات واسعة دفعت عدداً من نواب مجلس الشعب المصري إلى تقديم طلبات إحاطة، و تقدم السفير المصري السابق إبراهيم يسري و معه بعض الشخصيات المصرية المعارضة برفع قضية أمام محكمة القضاء الإداري.

أولاً: في 18 نوفمبر 2008 قضت المحكمة بوقف تصدير الغاز المصري إلى عدو دول من بينها إسرائيل.

ثانياً: في 6 يناير 2009 قضت محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة للمرة الثانية باستمرار الحكم السابق إصداره، و القاضي بوقف تصدير الغاز لإسرائيل بأسعار تقل عن السعر العالمي، و إلزام الحكومة بتنفيذ الحكم بمسودته في تحد لطعن الحكومة في الحكم السابق.

ثالثاً: في 2 فبراير 2009 قضت المحكمة الإدارية العليا بقبول الطعن الذي تقدمت به الحكومة لإلغاء الحكم، و وقف تنفيذ حكم القضاء الإداري بمنع تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، و قالت في أسباب حكمها: "إن قرار بيع فائض الغاز إلى دول شرق البحر المتوسط، و منها إسرائيل، صدر من الحكومة بوصفها سُلطة حكم، و في نطاق وظيفتها السياسية، بما يدخل في أعمال السيادة التي استقر القضاء الدستوري و الإداري و العادي على استبعادها من رقابته".

رابعا: في 27 فبراير 2010 قضت المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى) برئاسة المستشار محمد الحسيني رئيس مجلس الدولة، بعدم إختصاص القضاء بالنظر في الطعن في قرار الحكومة المصرية بتصدير الغاز إلى إسرائيل، باعتباره عملاً من أعمال السيادة، كما قررت المحكمة وقف تنفيذ قراري مجلس الوزراء ووزير البترول بتصدير الغاز إلى إسرائيل الخاص بمدة التصدير و السعر المربوط له، لعدم تضمينها آلية للمراجعة الدورية لكمية الغاز المصدرة و أسعاره خلال مدة التعاقد، و طالبت المحكمة بمراجعة أسعار التصدير طبقاً للأسعار العالمية، و بما يتفق مع الصالح العام المصري، و يعتبر هذا الحكم نهائياً و غير قابل للطعن. (أي أن الحُكم يختص بفترة التصدير و الكمية المصدرة و سعر التصدير، ولكنه لا يمنع التصدير).

Monday, March 19, 2012

تشريح السُلطة


تعريف السلطة:

هي القدرة و القوة على الشيء، وهي إحدى الوظائف الأساسية للتنظيم الإجتماعي للمجتمع، وهي القوة الآمرة التي في حوزتها الإمكانية الفعلية لتسيير أنشطة الناس، و تنسيق المصالح المتعارضة للأفراد أو الجماعات، و بالحاق تلك المصالح بإرادة واحده عن طريق الإفناع أو القسر. فهي مُمارسة نشاط ما على سلوك الناس، و القدرة على التأثير في ذلك السلوك و توجيهه نحو الأهداف و الغايات التي يحددها من له القدرة على فرض إرادته.

كيف تكتسب السلطة مشروعيتها؟

عن طريق ثلاثة نماذج:

الأول: نموذج تقليدي يستند إلى نفوذ "الأمس الأذلي" و يتمثل في سلطة الأعراف و قداسة الاعتقاد في السلف.

الثاني: نموذج السلطة الكاريزماتية المبنية على الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص استثنائي بسبب قداسته أو بطولته أو ميزاته المثالية.

الثالث: السلطة المستمدة من الاعتراف بمعقولية التشريعات و القوانين.

..

السلطة دائما تبحث عن شرعيتها و الاعتراف بها، لا فقط بمعرفتها و التعرف عليها، بل أيضاً بتجسيدها و ممارستها، بتوازنها و اختلالها، بمرونتها و عنفيتها، بتخفّيها و تجليها في صلب العلاقات الاجتماعية.

تظهر السلطة دائما بمظهر غائي، حيثث تتجلى قدرتها في التأثير الفعلي على الأشخاص و الوقائع، و لتحقيق ذلك قد تلجأ السلطة إلى الإكراه و القسر، و قد تستغل الأعراف و الطقوس و الاحتفالات لتؤمّن استمرارها و تجدُّد دورها في المجتمع، فهي تستعمل جُملة من الرموز المُعبرة عن وجها المزدوج في بحثها عن الوحدةالداخلية للجماعة و في التصدي للمخاط الخارجية القائمة أو المحتملة.

خصائص السلطة:

أولاً، المحافظة: السلطة تدعو إلى احترام القواعد و تحث على طاعتها لتؤمن الاستقرر و تتعرض إلى أقل ما يمكن من التحولات، و لتتقي كل أشكال الفوضى الممكنة،

ثانياً، التفاوت: تحافظ السلطة على مراتبية اجتماعية معينة يتدخل في تحديدها "الجنس و العمر و الموقع الاجتماعي و الاختصاص و الصفات الشخصية".أي أنها تحافظ على هرمية معينة، و تعمل على اعادة انتاج العلاقات الاجتماعية التي تولد الهيمنات و التبعيات.

ثالثا، القداسة: التفاوت الذي ذكرناه في العلاقات الاجتماعية يولد قداسة داخل السلطة، فممارسة السلطة تخلق لدى الحكام شعوراً بالسمو، وحتى لو كان الحاكم فرداً عادياً من أفراد الشعب فإنه بعد ممارسة السلطة يتولد لديه إحساس بأنه مختلف عن أمثاله من أفراد الشعب، و أنه يتمتع بإرادة من طبيعة سامية تعلو على إرادة الخاضعين، و تُسمى تلك الظاهرة: "الأنا الحكومية".

هذا التعالي و التسامي هو الذي يولد فعلياً الإيمان بقداسة السلطة، و حتى بقداسة من يمارسونها.

جميع الدراسات السوسيولوجية و الأنثروبولوجية تؤكد كلها دون استثناء أن هناك رابطة حميمية بين السلطة و القداسة، من احتفالات التنصيب، مروراً بمراسم الطاعة و الولاء و التعظيم، وصوصلاً إلى الخوف المُطلق من لعنة انتهاك المقدسات. كل تلك المظاهر ما هي إلا بقايا عبادة الملوك في الأمس البعيد.

رابعاً، الالتباس: القران بين الضعف و القوة، بين العنف و المهادنة، بين الملك و المهرج. ففي نفس الوقت الذي تسعى فيه السلطة لزيادة هيمنتها و توطيد استمرارها، تعمل على تحقيق الأهداف و المصالح الجماعية. فللسلطة سمة التأرجح و التراوح بين طبيعتها النرجسية، و بين ما يؤمِّن هذه النرجسية و يناقضها في نفس الآن. أي الغيرية القائمة في الأهداف الإجتماعية.

والأمر في نهايته لا يتجاوز المصلحة الشخصية، وهو عبارة عن السعي لتحقيقه، و توق لسكنى مدينة الأمر.

اللبس قائم في جوهر السلطة، ويتجلي الدهاء الأقصى للسلطة في اعتراضها على ذاتها طقسياً لكي تتوطد بصورة أفضل. وهذا ما يؤكد السمة الالتباسية للسلطة، فمن يصرخ: لا لسلطة الدولة، هو ذاته من يهمس: نعم لحزبه.

فالفراعنة الذين بنوا الأهرام في دليل صارخ على نرجسيتهم، هم نفس الأشخاص الذي شقوا الترع ووضعوا مقاييس النيل و استصلحوا الأراضي الزراعية للفلاحين و غيرها.

..

هذا المقال هو اختصار شديد لماهية السلطة في أفكار:

ماكس فيبر، جورج بالانديه، جان مينو، جميل صليبا.

وقد نكتب مقالاً عن السلطة في منهج فوكو.

مراد حسني

Monday, March 12, 2012

الشطرنج السياسي


تخيل أنك قمت باستكمال دور للشطرنج، بحيث كان الملك مُهدد من قبيل الخصم، فماذا تفعل؟

أي لاعب شطرنج عادي، سيقوم بوضع قطعة تفصل ما بين الملك و التهديد، ولكن رُبما كانت الحركة هي حماية مؤقته، و حالما يقضي الخصم على تلك القطعة، سيكون الملك مُهدد مرة أخرى و قد ينتهي الدور...

أما لاعب الشطرنج الذكي، فهو من يحمي الملك بوضع قطعة في موضع محمي من قطعة أخرى، و في نفس الوقت تحمي الملك من هذا التهديد، فيبدو للعيان أنك قد قررت التضحية بتلك القطعة، و سيكون رد فعل الخصم أمرين لا ثالث لهما:

أولا: لو كان خصم غبي، سيهاجم تلك القطعة التي وضعتها كبش فداء، و سينحيها تماما من رقعة الشطرنج، و حينها تتخذ الخطوة الأخرى بالقضاء على هذا التهديد بقطعتك الأخرى.

ثانياً: لو كان الخصم ذكي، و اكتشف خطتك للقضاء على تهديده، فسيبدأ بسحب هذا التهديد، و يعود حيثما كان، و تبدأ محاولات أخرى منه أو منك في الفوز بالدور.

لا تعتمد على أن الخصم دائما ذكي و أنه لن يقضي على القطعة التي تحمي الملك، قد يكون غبي، أو ذكي بحيث قد دبر لك مكيدة مُشابهة لتلك التي دبرتها أنت.

تذكرأنك لو لجأت لتحريك الملك بعشوائية، فتيقن أن العد التنازلي قد بدأ و ستفقد سريعاً ما تبقى لديك من قطع.

والآن ما الهدف من الكلام السابق؟

الهدف منه هو ترتيب الأفكار بمنآى عن الذعر و القرارات غير المحسوبة أو القرارات اللحظية، و يمكنك ترتيب أفكارك بالإجابة على تلك الأسئلة:

أولاً: ما هو الملك بالنسبة لك؟

ثانياً: ما هي القطع التي تهدد هذا الملك؟

ثالثا: ما هي القطع التي يمكنك التضحية بها؟

رابعاً: ما هي القطع التي يمكنها القضاء على التهديد بعد عمل التضحية؟

خامساً: ما هي الحركات التي يمكنك إتخاذها بعد القضاء على التهديد من أجل الفوز بالدور؟

لن أجيب على تلك الأسئلة، و سأتركها لك، لتحاول مضاهاتها بالوضع السياسي في مصر.